محمد بيومي مهران

140

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

عبادة التماثيل ، ويتوعدهم أن يكيد لآلهتهم بعد انصرافهم عنها « قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ » . ويبدو من هذا أن إبراهيم عليه السلام كان شابا صغير السن ، حينما آتاه اللّه رشده ، فاستنكر عبادة الأصنام وحطمها ، ولكن أكان قد أوحى إليه بالرسالة في ذلك الحين ؟ أم هو إلهام هداه إلى الحق قبل الرسالة ، فدعا إليه أباه ، واستنكر على قومه ما هم فيه ؟ وهذا هو الأرجح ، فيما يرى صاحب الظلال ، وهناك احتمال أن يكون قولهم « سمعنا فتى » يقصد به إلى تصغير شأنه ، بدليل تجهيلهم لأمرهم في قولهم « يقال له إبراهيم » ، للتقليل من أهميته ، وإفادة أنه مجهول لا خطر له ؟ قد يكون هذا هو المراد ، وهذا ما نميل إليه ونرجحه ، ولكن الأستاذ سيد قطب ، يرجح أنه كان فتى حديث السن في ذلك الحين . ثم أرادوا التشهير به ، وإعلان فعلته على رؤوس الأشهاد « قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ، قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ » ، فهم ما يزالون يصرون على أنها آلهة ، وهي جذاذ مهشمة ، ومن ثم فقد أراد إبراهيم أن يسخر منهم « قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ » . ويبدو أن هذا التهكم الساخر قد هزهم هزا ، وردهم إلى شيء من التدبر والتفكير « فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ » ولكنها لم تكن إلا ومضة واحدة أعقبها الظلام ، وإلا خفقة واحدة عادت بعدها قلوبهم إلى الخمود « ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ » ، ومن ثم فإن الخليل عليه السلام يجيبهم بعنف وضيق ، على غير عادته وهو الصبور الحليم ، لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم « قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا